American University of Beirut

العمل العاطفي لاجتياز انعدام الاستقرار في مصر



​​​Wednseday 15 March 2023

هاري بيتيت


سافرت مع محمود، خرّيجٌ من كلّية التجارة يبلغ 26 عاماً، إلى مدينة نصر للطبقة الوسطى في شرق القاهرة، ليقدّم سيرته الذاتية إلى واحدة من 200 وظيفة حكومية في الهيئة العامّة للاستثمار والمناطق الحرّة[1]. في خلال لقاءنا، كان محمود يقول إن فرصه معدومة: "سوف يكون هناك جيش من الناس!". وصلنا عند الساعة 9 صباحاً. طُلِب من محمود أن يأخذ تذكرة وينتظر خارج البوّابات مع نحو 200 آخرين. حصل على التذكرة رقم 850 لذلك اليوم. كان التطبيق مفتوحاً لمدة 10 أيّام، ممّا يشير إلى أن عدّة آلاف سوف يقدّمون طلبات. أسوة بمحمود، أعرب العديد من الأشخاص، الذين تحدّثنا إليهم في خلال فترة انتظار دورهم، عن انعدام فرصهم بقبولهم للوظيفة. أطلق الكثيرون النكات حول الوظائف التي حُدِّدت بالفعل بالواسطة، وعملية التقديم الشكّلية لإظهار الحكومة وكأنّها تساعد الشباب العاطلين عن العمل. لكن على الرغم من هذا التشاؤم، فقد كانوا جميعاً هناك، وفي كثيرٍ من الحالات، قُطِعت مسافة ساعات لتقديم السير الذاتية. وانسجاماً مع جوّ اليأس الذي أعقب هذه الأحاديث، هزّ كلّ واحد كتفيه وقال: "علينا أن نقوم بواجبنا" (لازم نعمل اللي علينا). فور تسليم محمود سيرته الذاتية، أخبرني أنه فخور بقدومه وأنه يشعر بأمل. سألته عن سبب مجيء كلّ هذه الناس على الرغم من اعتقادهم بأن التوظيف خاضعٌ للواسطة، فأجاب: "لقد جاؤوا لأنهم يأملون. إنّهم بحاجة إلى الأمل. المصريون خبراء أمل في الأمور المعدومة الأمل، ويطمحون لأمور لا يمكن التطلّع إليها. إن لم نفعل ذلك، نموت".
كنت أتابع محمود والعديد من الشباب غيره لمدة عامين في أثناء محاولاتهم العثور على وظيفة مستقرّة وبأجر جيّد ومُرضِية في سوق عمل أبقتهم أسرى انعدام الاستقرار. لقد تخرّجوا جميعاً من الجامعات الحكومية المُتداعية وإنّما الواسعة الانتشار، في كلّيات التجارة والقانون والعلوم الإنسانية التي أصبحت تُعرف باسم "كلّيات الشعب" نتيجة اكتظاظها وتدنّي مستواها. بعد التخرّج، دخلوا إلى سوق عمل غير مستقرّة بشكل مُتزايد، بعد أن خفّضت الحكومة المصرية التوظيف في القطاع العام كجزء من "إصلاحات" صندوق النقد الدولي منذ تسعينيات القرن الماضي، ونما على أثرها قطاع خاص في المجالات الكثيفة رأس المال التي لا توفّر الكثير من فرص العمل الرسمية. الوظائف المُتاحة لهؤلاء الخرّيجين هي في المحاسبة المنخفضة الأجر وفي قانون الأسرة، مع ذلك، تمتصّ مراكز الاتصالات المُتنامية والخدمات الخارجية بالعديد منهم، بحيث توظّف الآن نحو 170 ألف شخص في القاهرة وحولها. وفي حين يُدرِّ هذا القطاع أجوراً مُرتفعة في سياقات أخرى، لكنّه مُقسّم في مصر إلى حدّ كبير وغير آمن، وتطغى عليه عقود عمل لمدة عام واحد، وتهديد المستمرّ بالفصل بسبب الأداء، ورواتب شهرية بقيمة 3 آلاف جنيه (100 دولار أميركي). لا يتمكّن معظم خرّيجي الجامعات الحكومية سوى الوصول إلى الوظائف المحلّية ذات الأجور المُنخفضة بسبب لغتهم الإنكليزية ذات اللكنة المصرية وضعف طلاقتهم في الحديث.
لقد تابعت هؤلاء الرجال على مدار سنوات عدّة في أثناء تنقّلهم في سوق العمل ممّا جعل منال كرامة الطبقة الوسطى صعباً ورضاهم مستحيلاً. أصبحتُ مهتمّوة بمعرفة الحالة النفسية والعاطفية التي مكّنتهم من التحمّل والاستمرار. ومفتاح اللغز، كما يلمِّح محمود أعلاه، هو الاحتفاظ بأمل وشعور بأن المستقبل سوف يرقى إلى مستوى توقّعات الفرد ورغباته. يصوِّر الفلاسفة وعلماء الأنثروبولوجيا وعلماء الاجتماع الأمل على أنه أساسي لحياة صالحة للعيش. بالنسبة للشباب المصري، وخصوصاً الطبقة الوسطى، تشيع عبارة "من دون أمل، لا توجد حياة". يجادل عالم الأنثروبولوجيا سامولي شيلكي (2015؛ 23) بأنّ المصريين من الطبقة الوسطى خصوصاً، يبحثون عن حياة تتطلّب "إحساساً طموحاً بالوجود، يفرض على المرء الوصول إلى أكثر ممّا لديه، وهو شعور يعتمد أساساً على ديناميكية المرء ونموّه". لكن بالنسبة للشباب الذين كنت أتابعهم، فقد فُقِد الأمل بالحصول على مستقبلٍ كريم نتيجة فترات طويلة قضوها في أعمال خدمية غير مستقرّة ومتدنّية المهارة، واختبروا في خلالها الرفض المُتكرّر من الوظائف التي يرغبون فيها. استُبدِل هذا الشعور بالاإحباط والقلق، وحتى الملل الذي نشأ، لا من امتلاك الكثير من المثال والقدرة على الوصول إلى الأشياء "كما هو الحال في الغرب"، كما أخبرني عادل شابٌ خرّيجٌ يعمل في مركز اتصالات، وإنّما "من عدم القدرة على فعل شيء، وعدم القدرة على حلّ أي مشكلة، مثل الزواج أو الحصول على شقّة".
من خلال قضاء فترة طويلة مع الشباب خارج ساعات عملهم، رأيت محاولاتهم اليومية لاستعادة شعور حيوي بالأمل في المستقبل والحفاظ عليه. وتنقسم هذه المحاولات إلى جزئين. أولاً، يروي الشباب باستمرار وبشكل مُتكرِّر قصصَ الأصدقاء الناجحين، ودروساً من كتب المساعدة الذاتية والنصوص الإسلامية، واقتباسات من روّاد الأعمال المُلهِمين، وأفلام هوليوود التي تبيّن أن الخصائص الفردية للعمل الجادّ والمثابرة والعاطفة والذكاء والإيمان قد تؤدي إلى النجاح. عادل، على سبيل المثال، بينما كنا نتسكَّع على الأريكة في شقّته المُتداعية، أخبرني عن كتابٍ للمساعدة الذاتية نزَّله لزيغ زيغلر، المُلهم الأميركي الذي ساعد المصريين على "البقاء إيجابيين وعدم التخلّي عن المحاولة". ووصف مقطعه المفضّل بهذه الطريقة:
"يحاول رجلان الحصول على مياهٍ من بئرٍ، وهذا أمر صعب حقّاً، كان الرجل يكافح كلّما اقترب من القمّة وأراد الاستسلام. ولكن إذا تركته، عليك أن تبدأ من جديد. تنطبق هذه الاستعارة على الحياة، لا يجب أن تتركها، بل أن تستمرّ في الكفاح حتى تصل إلى هدفك".
ثمّ حدثني عن مُلهم مصري، إبراهيم الفقي. بدأ العمل نادلاً وانتهى بامتلاك سلسلة مطاعم. أحد أفضل دروسه أن "الحديث فقط" هو أسوأ ما يمكن فعله، "الحديث عن أهدافك وعدم القيام بها". تعرّف عادل إلى نفسه من خلاله. لقد كان كسولاً، يتحدّث عن دورات المحاسبة، وتغيير الوظائف، و تعلّم اللغة الإنجليزية، لكنّه لم يفعلها أبداً.
أحيا سردُ هذه القصص اقتصاداً أخلاقياً قائماً على الجدارة حيث يُلقى باللوم على الأفراد في محنتهم. في الواقع، إنّ إلقاء المسؤولية على هؤلاء الشباب بسبب نضالاتهم في سوق العمل أشعرهم بالأمل، لأنّه أوهمهم بإمكانية النجاح في حال عملوا بجدّ وثابروا. وبالتالي، ينطوي الجزء الآخر من الاحتفاظ بالأمل على ممارسة العمل الجادّ. وقد تضمّن محاولة مستمرّة للعمل على مهاراتهم من خلال أخذ دورات تدريبية، أو الدراسة عبر الإنترنت، أو تقديم طلبات عمل، أو وضع خطط مُفصّلة للأعمال الناشئة التي يحلمون بها، أو محاولة إيجاد فرص للسفر إلى الخارج. هذه الأنشطة، كما تُظهر تجربة محمود في الهيئة العامة، منحت الشباب القلق ومضات من الأمل المنشود. يوضح قول محمود إنّ المصريين خبراء "أمل في الأمور المعدومة الأمل"، كيف يطوّر هؤلاء الرجال روابط بهذه الأنشطة والشعور الذي تثيره. على الرغم من أنهم أسرى أوضاعٍ لم تتغيّر منذ سنوات عديدة، لكنّني وجدتُ أن الشباب يعودون مجدّداً، ومراراً وتكراراً، إلى سرديات الجدارة نفسها التي تحمِّل الأفراد مسؤولية محنهم. وهم يقومون بذلك، بحسب ما تجادل لورن برلنت في سياق الولايات المتّحدة (2011؛ 24)، لأن الحفاظ على الارتباط بالإيديولوجيات "القاسية" حول الجدارة كان السبيل الوحيد للحفاظ على "استمرارية الشعور بما يعنيه استمرار العيش والتطلّع إلى الوجود في العالم".
أزعم أن الجهد المبذول للحفاظ على الأمل حيّاً بين هؤلاء الشباب المصريين هو أحد أشكال العمل العاطفي المُفعّل من سوق عمل غير مستقرّة ومحفوفة بالمخاطر ومجزّأة. صاغ أرلي راسل هوكستشايلد مفهوم العمل العاطفي في العام 1983، واستُخدم لوصف إدارة العواطف داخل أشكال العمل المأجور باعتباره أمراً حاسماً لاستخراج قيمة اقتصادية من العمّال. لكن ممارسات الشباب المصريين تحوِّل الانتباه إلى الممارسات المطلوبة لإدارة العواطف خارج ساعات العمل في مجال الإنتاج الاجتماعي - في المنازل والمقاهي وعلى الإنترنت – ولو أنّها ضرورية لتمكين العمّال من الاستمرار في منح أجسادهم لسوق العمل، إذ ينطوي الإنتاج الاجتماعي على تبديد المشاعر السلبية - القلق أو الإحباط أو الخجل أو الملل - التي تتراكم أثناء التنقّل في الوظائف الصعبة وأسواق العمل. فالمؤكّد هو الحفاظ على شعورٍ بالأمل في المستقبل.
في هذا السياق المصري للطبقة الوس​طى – وأقترح أيضاً بين العمّال غير المستقرّين في العديد من السياقات الأخرى - يعتمد الأمر ويعيد إنتاج منطق الجدارة الذي يُبقي التركيز على الأفراد باعتبارهم سبب فقرهم وهشاشتهم والأسباب البنيوية الجانبية مثل انعدام المساواة في التعليم ووفرة العمالة غير الكريمة وغير المستقرّة. وبينما يُنتج هذا المنطق عبر شبكة واسعة من صناعات التدريب وريادة الأعمال والمساعدة الذاتية والتوظيف، في مصر وخارجها، أظهر بحثي أنه يُعاد إنتاجه أيضاً من أولئك الذين يقعون ضحيّته بسبب قدرتهم الدائمة على إنتاج الأمل. إنّ إدراك هذا الأمر بالغ الأهمّية لفهم القوة والهيمنة الدائمتين للأنظمة الرأسمالية على الرغم من إنتاجها المستمرّ للمشقّة والمعاناة.

[1]​​الهيئة العامة للاستثمار والمناطق التجارية الحرّة هي هيئة حكومية مناطة بها صلاحيات تنظيم وتسهيل الاستثمارات الوطنية والدولية في مصر.

ا​​​لمراجع
Berlant, Lauren. Cruel Optimism, Durham, NC: Duke University Press, 2011.
Hochschild, Arlie Russel. The Managed Heart: Commercialization of Human Feeling. Berkeley: University of California Press, 1983.
Schielke, Samuli. Egypt in the Future Tense: Hope, Frustration, and Ambivalence before and after 2011. Bloomington, IN: Indiana University Press, 2015.










Contact Us

For various questions, please try contacting us via social media first!
read more

Privacy Statement

We take data privacy seriously and adhere to all applicable data privacy laws and regulations.
read more

Copyright and Disclaimer

Written permission is needed to copy or disseminate all or part of the materials on the AUB website.
read more

Title IX, Non-Discrimination, and Anti-Discriminatory Harassment

AUB is committed to providing a safe and respectful environment to all members of its community.
read more