كلمة الوزير السابق الدكتور طارق متري في ضوء اختتام مؤتمر "تحدّي تجديد العروبة" الذي نظّمه النادي الثقافي العربي

​​​​​ألقى الوزير السابق الدكتور طارق متري المُداخلة التالية، تحت عنوان "عُروبة الاستثناء وعُروبة الانتماء"، خلال الجلسة الأولى من اختتام مُؤتمر "تحدّي تجديد العُروبة"، الذي نظّمه "النادي الثقافي العربي"، بمناسبة الذكرى ٧٥ لتأسيسه، وذلك يوم الجمعة ​الواقع فيه ٤ تشرين الأول/أكتوبر ٢٠١٩ في فندق البريستول في بيروت.


"يفترض النقاش المتجدد حول العروبة خروجاً من أسر التحديدات أو الماهيات الثابتة أوالجامدة والاختلاف في أمرها. لست أطلق ها هنا حكماً على الكتابات والدعوات القومية السابقة، التأسيسية منها بوجه أخص، بل آسف لميل البعض إلى إستعادتها على نحو يخرجها من سياقها التاريخي. فالأزمنة تغيّرت ولم تعد العروبة تحمل لعرب اليوم، بعد خيباتهم الكثيرة، ما حملته من وعود عند تفتّحها. ولا يعني ذلك، بالطبع، أنها فقدت معناها، بل أن تعلـّق الناس بها الذي لم يغب، وهو يضمر حيناً ويظهر حيناً آخر، يستدعي تغييراً في معناها ومرماها.

بعد قيام الانظمة العسكرية في غير بلد عربي، وتجاوب فئات شعبية معها لادعائها تحرير الناس من التجزئة والتخلف والتفاوت الاجتماعيي، ضمرت الحياة السياسة وضاقت المشاركة فيها. وعلى انقاض التجارب الديموقراطية القصيرة، جعلت انظمة الحزب الواحد المشاركة الشعبية خاضعة لمنطق المبايعة والولاء لامستندة الى حرية الاختيار. وخونت تلك الأنظمة معارضيها، لا سيما من طالب منهم بالديموقراطية، على اساس انحرافهم عن اهدافها الكبرى في الوحدة والحرية والإشتراكية.

ولأسباب شتّى، اغفلت المشاريع القومية العربية قضية الديموقراطية وغلب هاجس الوحدة والتصدي المفترض لاعدائها، وفي مقدمهم اسرائيل والولايات المتحدة الداعمة لها، على ما عداه. وبات الدفاع عن النظام، صانع الشعارات الكبيرة، اولى من تحقيق شعاراته. وازدادت بالفعل اهمية حماية النظام من اعدائه في الداخل بحجة الانحياز الى الجماهير بوجه افراد او جماعات ذات مصالح طبقية معادية لها. ولعلٌ فكرة الجماهير نفسها، والتي اجتمع المختلفون من قوميين ويساريين على اعتمادها، خلت من التشديد على حقوق الافراد والجماعات بل تجاهلها وتجاهلتها باسم مصلحة جمعية للأمة لا تقبل الإختلاف وتتعالى على التنوع. وبدت الديموقراطية، بالنسبة الى الكثيرين وكأنها تلهي عن المواجهات الكبرى.

بعد ذلك، وفي مطالع الثمانينيات، ادى التآكل في شرعية الانظمة المتسلطة، بفعل فشلها في تحقيق ما وعدت به، الى ارتفاع الأصوات المطالبة بالمشاركة السياسية، ومنها ما صدر عن قوى اسلامية بدأت بتنظيم انفسها كحركات سياسية، متجاوزة حدود عملها الدعوي ومحاذرة الانزلاق الى العنف المسمى جهاديا. وتعزز المطلب الديموقراطي، في غير بلد عربي، وتجاوب معه الكثيرون لانهم راؤا فيه طريقاً لحلول واقعية لازمات انظمة الحكم وردا على اخفاقاتها. رغم ذلك، لم تنجح محاولات الاصلاح الخجولة الهادفة الى توسيع المشاركة السياسية. وبدا العالم العربي، بظل موجة انتشار الديموقراطية في اميركا اللاتينية وافريقيا واوروبا الشرقية، متفرداً في احجامه عن اعتناق النموذج السياسي السائد في العالم بعد سقوط الاتحاد السوفياتي.  وراج الحديث، في الغرب وبين العرب انفسهم، عن الاستثناء العربي او الاسلامي. فرأى فيه بعض من دعاة الاصالة عندنا، المتمسكون بالخصوصية و المغالون في تعظيمها، شكلاً من اشكال التمايز  عن الأمم الأخرى وشعوبها. بل مقاومة لسيل العولمة الجارف والمعتبرة صنوا للهيمنة الغربية على مقدرات العالم. وحسبت فئة أخرى الاستثناء العربي اختلافاً عميقاً بين بلادنا وبلاد العالم الاخرى، يخفي تأخراً عن اللحاق بعملية الانتقال الى الديموقراطية تتسبب به مشكلات بنوية في الاجتماع كما في الثقافة، يتصل بعضها بمقاومة التشكيلات التقليدية للحداثة وقوة الهويات الجماعية الضاغطة على استقلال الافراد وحرياتهم. ونسبت فئة ثالثة الى الثقافة السياسية السائدة، الضاربة عميقاً في تاريخ الاسلام، حيث وحدة الامة وحمايتها من الفتنة اولى من حرية ابنائها وحقهم بالمشاركة في صنع مصائرهم، وحيث الخروج عن طاعة الحاكم موصوم بشبهة اضعاف الامة وزرع الشقاق في صفوف ابنائها، مما ضيٌق المساحة بين الخضوع والعصيان، التي من شأن الديموقراطية ان توسّعها.

غير ان انفجار الثورات العربية، لخمس سنوات خلت، وضع حداً، في ظاهر الامر على الاقل، لهذا الاستثناء. لكن الاخفاقات الكثيرة في الانتقال الى الديموقراطية اعادت الى اذهان بعض فكرة الاستثناء، وكأنهم رأوا في ما وصلنا اليه خلال فترة قصيرة وكأنه آخر المطاف، فيما نحن بالحقيقة ما زلنا في اول الطريق.

ولقد تراجعت فكرة العروبة بمفهومها التقليدي لأسباب تتعلق بانحسار الإيديولوجية أياً كانت، ولأن الإيديولوجية القومية، وحتى الوطنية، باتت بنظر الكثيرين ملازمة للاستبداد أو لمشاريع الاستبداد. ففي الإيديولوجية ثنائية، تكاد تكون ثنائية الخير والشر، تُُقصي وتُلغي وتٌخضع. وتراجعت أيضاً بفعل إخفاق الأنظمة والسياسات التي قامت باسمها أو توسلتها مصدراً للشرعية. فلم ترسمها أفقاً أو تطلعاً بل رفعتها إلى مصف الغاية التي تفسر تواريخنا ومصائرنا، حتى أصبحت غاية تعلو على الغايات كلها. كما اتراجعت لأن المؤسسات كجامعة الدول العربية  أنشئت من أجل التقدم نحو تحقيق مقاصدها، وكلها تدور حول وحدة العرب، لم تنجز المهام التي اضطلعت بها ولم تطلق حركة تبادل وتفاعل وتعاون تعزز صدقية الفكرة. وتراجعت أخيراً، ورغم أن بعض الالتباسات خلاقة، لأن الالتباس الذي شاب العلاقة بينها وبين الإسلام تحوّل حجّة عليها عند نفر غير قليل من الإسلاميين. وكان، من جهة أخرى، مسوغاً للحذر الذي مالت إليه فئة لا يستهان بها من مواطني البلاد العربية. فرأت فيها حركة تدعو للانصهار وتؤدي، باسم العلاقة التي لا تنفصم عراها بين ثقافة العرب وتراث الإسلام، إلى نكران هوياتهم الخاصة، وتقييد مشاركتهم في الحياة العامة، بل النيل من بعض حقوقهم الثقافية والدينية والمدنية. لا يخفى على أحد أن هناك من بات يأخذ على العروبة أنها تشكلت على يد نخب تأثرت بأفكار عصر الأنوار في الغرب الأوروبي، بل اقتبستها وسعت إلى تعريبها. وان عدداً كبيراً من دعاتها، ينتمي إلى أقليات جهدت بواسطتهم أن تلعب دوراً كبيراً في ارساء قواعد لنظام حقوقي وسياسي واجتماعي وثقافي جديد، وأن هذا الدور تجاوز بأهميته ما يسمح به حجم هذه الأقليات العددي ومكانتها في النظام الإسلامي التقليدي. وعلى الطرف الآخر يقفون مثقلين بالمآخذ، من رأوا أن تعالي المشروع العربي على المشاريع الوطنية يهدّد قدرتهم على التوفيق بين حقوقهم ومطالبهم كجماعات ذات خصوصية، مثل الأمازيغ، وبين إقامة كيانات وطنية دستورية حديثة تحفظها.

لم يكن هذان الاعتراضان متزامنين في كل حال ولم يظهرا بنفس الحدة في غير بلد عربي. ففي لبنان تجربة خاصة في هذا المجال من شأن التفكّر فيها أن يسهم في تجديد العروبة. لم يُظهر المسلمون اللبنانيون، بمن فيهم الإسلاميون، تردداً في أمر العروبة بسبب من دور المسيحيين في الدعوة اليها وتأثير تأثرهم بالثقافة الغربية على الأفكار التي أطلقت النهضة العربية. بالمقابل، وفي أكثريتهم، رفعوا تعلقهم بالعروبة إلى ما فوق انتمائهم إلى الكيان اللبناني، والذي ظلت شرعيته عند الكثيرين منهم، ومعهم بعض المسيحيين، تحت السؤال ولفترة طويلة. أما المسيحيون فقصتهم مع العروبة أكثر تعقيداً. فقد شاركت بعض نخبهم في ما سمّي "حركة النهضة العربية" من منظور خاص، يؤلف بين الرسوخ في الانتماء إلى  العالم العربي والانفتاح على الأفكار العصرية الوافدة من الغرب. ودفعت هذه المشاركة الكثيرين منهم إلى العمل شبه السياسي ومن ثم السياسي. ولم تخلُ دعوتهم إلى القومية العربية من الالتباس الذي سبقت الإشارة إليه، فضلاً عن التباس آخر يكاد يكون لا واعياً لجهة الخلط بين الفكرة العربية والفكرة السورية ونوع من الفكرة اللبنانية. ولعلهم  أدخلوا في عروبتهم أحياناً مفهومهم للخصوصية "السورية" بل "واللبنانية" أيضاً. غير أن المطالبة بالكيان العربي بدت أمراً مسلماً به في آخر أيام الدولة العثمانية. وظلت قضية توحيده قوية بعد سقوطها. وأحدث التقسيم الناتج عن الاتفاقات بين الدول الأوروبية ما بعد الحرب واقعاً جديداً وضع الفكرة العربية في موضع التساؤل. فباتت عند فئات من المسيحيين، وبعض المسلمين أيضاً، تتعرض لمنافسة الأمة السورية والأمة اللبنانية, وذلك بتشجيع من السلطات المنتدبة. فاضطر دعاة القومية العربية إلى تبرير نضالهم في سبيل الحكم الذاتي لكل دولة بمفردها، على اعتباراته الخطوة الأولى نحو الوحدة.

 ولم تكن العلمانية غريبة عن الفكرة القومية العربية. لكن اعتبارها شرطاً لها لم يكن مطلباً مسيحياً. فالمسيحيون، رأوا، بوجه الإجمال، ضرورة فصل الحقل الديني عن ميدان السياسة معتبرين أنه لخير الاثنين معاً. واكتفوا، من جهة ثانية، بالتشديد على الرغبة المشتركة بينهم وبين المسلمين في تجريد القوى المستعمرة من سلاح قوي، أشبه بالذريعة، وهو حماية الأقلية من طغيان الأكثرية. كما دعوا الى مقاومة الصهيونية من منطلق قومي، أي انطلاقاً من وعي الخطر الذي يهدد المسيحيين والمسلمين على حدٍ سواء. ان الإحجام عن الدعوة الحثيثة إلى قبول العلمانية لم يكن مجرد ضرب من ضروب الواقعية السياسية الظرفية. إنما جاء تعبيراً عن إدراك الصعوبة، بل الاستحالة، في الفصل بين العروبة والإسلام. ذلك أن معظم العرب إذا ما كانوا متيقنين من أن غير المسلمين منهم جزء لا يتجزأ من الأمة العربية، فإن الإسلام أساس شعور العرب بوحدتهم، وهو القاعدة الحضارية لخصوصيتهم القومية.

إلاّ أن الالتباسات التي طبعت الفكرة القومية، في أذهان المسلمين والمسيحيين، لم تبدَّد على صعيدي النظرية والسلوك السياسي، رغم محاولات أشد وضوحاً وتماسكاً كالتي قدمها ساطع الحصري.صحيح انه لم يغفل اتصال القومية العربية الوثيق بالإسلام، وعند النشأة بصورة خاصة. إلاّ أنه يقول أن العرب لا يشكلون جوهرياً أمة اسلامية. وعلى هذا فالمسيحيون الناطقون بالضاد عرب كالمسلمين، وبالمعنى ذاته ومن غير أن يتخلوا عن أي شيء من تراثهم الديني. أكثر من ذلك، يلفت الحصري الى أن بعض المسيحيين، كالأرثوذكس، لم يستيقظوا على قوميتهم إلا عن طريق تراثهم الديني.

ومهما يكن من أمر هذه القصة المختصرة وروايتها، فإن لبنان الحديث والمعاصر شهد توجساً عندً فئات من المسيحيين حيال عروبة تهدد المصير اللبناني وتبرر تدخل الآخرين في الشؤون الداخلية لدولة مستقلة وذات سيادة. واختلطت، بل تدافعت، أسباب السجال في مسائل العروبة واللبنانية. وغلبت محرّكات الصراع السياسي على مسائل الثقافة والعلاقة بين الدين والدنيا والدولة. وكادت الحرب، التي فجّرها اللبنانيون وانفجرت بهم، ان تذهب بالانتماء اللبناني المشترك إلى غير رجعة. لكن ذلك لم يكن انتصاراً للعروبة على اللبنانية بل انكساراً للبنانية أمام الطائفية.

وعندما خرجوا من الحرب، لم تخرج جماعاتهم الواحدة الى الأخرى، رغم أن أبناءها يميلون إلى القبول بأن مصائرهم مترابطة وإلى الإقرار بقيمة خبرتهم المشتركة ونمط حياة معين هو ثمرة تاريخهم المعاصر. وظهر بعد حين لون من ألوان التعلق المستجد بلبنان، يدل على تراجع "الاكتفاء الذاتي" لدى الجماعات اللبنانية كلها. وصار حنين الناس إلى الدولة يمتزج بالحنين إلى التعامل مع أبناء الطوائف الأخرى. وظهر معه ميل للأعراض عن السجال في قضية العروبة. ففيه رغبة في اجتناب ما يوقظ فتنة  لم تنم عميقا ً بعد. وفيه أيضاً نوع من المصالحة الواقعية مع عروبة لبنان يسّر أمرها اتفاق الطائف حين أكدّ ارتضاء الجميع لبنان وطناً نهائياً.

هذه المصالحة الواقعية بين اللبنانية والعروبة تسارعت حين تسارع التاريخ اللبناني بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري. فخلال أسابيع معدودة تلاقى المسلمون والمسيحيون في نوع من اللبنانية الجديدة وغير الإيديولوجية. لكن تحوّل المصالحة المذكورة من الدلالة الرمزية الى التأثير الفعلي ما زال محفوفاً بالصعوبات. ذلك أن المصالحة تفترض التوفيق بين تطلع اللبنانيين إلى بناء وطن لا يكون ساحة مفتوحة، منطقة نفوذ أو أرض منازلة، وبين التزامهم قضايا العرب وأولها قضية مواجهة إسرائيل. وتفترض أيضاَ التقدّم على طريق بناء الدولة الواحدة والسيدة، عوض تعليق هذا المشروع حتى انتهاء الصراع العربي الإسرائيلي أو صراعات القوى الأخرى التي تتوسله. ولا يعني كل ذلك بالطبع تحييداً للبنان وانعزالاً له. بل أن تحقيق المصالحة بين الهويات المتعددة والحقوق المتنوعة، في الثقافة كما في السياسة، بات بصورة مبدئية، المدخل اللبناني إلى العروبة. وتفترض هذه المصالحة، ثالثاُ، على صعيد آخر، توفيقاً ثانياً بين الحق في السيادة الوطنية، الذي لم تتنازل أي دولة عربية عنها مهما علا صوت التزامها القومي، والاعتراف الواقعي بأن الحكومات الوطنية باتت اليوم أكبر من معالجة المشكلات الصغيرة وأصغر من معالجة المشكلات الكبيرة. فلا يكون طلب السيادة الوطنية بحثاً عن سلاحُ يشهر في وجه العروبة من جهة أولى، ولا رغبة في بناء قوة مركزية مهيمنة على مصائر الأفراد والجماعات والمناطق من جهة ثانية.

غير أننا نعرف اليوم إرتداداً عن المصالحة الواقعية التي أشرت إليها. هناك هوية لبنانية يعاد تشكيلها أمام أعيننا، تقوم على العداء للعرب في لبنان أي اللاجئين السوريين والفلسطينيين وهو عداء ملوّث بالطائفية وبالعودة إلى فكرة التميّز، بل التفوّق، اللبناني. ويظهر من جهة ثانية، ولأسباب سياسية وطائفية معاً، ميل متزايد لرفد الهوية اللبنانية المستجدة بما يسمونه المشرقية وعي في حقيقة الأمر أقرب الى التورية في نفي العروبة والدعوة الى التحالف بين طوائف بعينها.

تبقى مسألة، في حدود هذه المداخلة، تتعلق بتجديد العروبة وتتناول مسألة الخاصية أو الخصوصية في علاقتها بالكونية. بعبارة أخرى، أن السؤال الذي لا يمكن الفرار منه هو سؤال العرب والعالم، وقد ازدادَ مأساوية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وردود الفعل التي تلتها باسم الحرب ضد الإرهاب والتي تلوثت بالعنصرية ضد العرب والمسلمين وروّجت لثنائيات سياسية وثقافية ودينية لم ننج نحن من حبائلها.

ليست الخاصية، ولم تكن يوماً في تاريخ العرب لا سيما في عصور ازدهارهم ونهوضهم، نقيض الكونية. لعلّ هذه الأخيرة أقرب إلى أن تكون خاصية بلا أسوار. لم تكن النهضة العربية عملية تاريخية محدودة في الزمن والأهداف ومنقطعة عن سياق الزمن الطويل. صحيح أن البعض أسدل الستار عليها ب​مجرد ما أعتقد أنه مطمحها الاستقلالي قد بلغ مآله. غير أنها استمرت مؤثرة بوصفها موقفاً من العالم الحديث وقيمه ورؤية للكون تسعى لأن تحلّ العرب في العالم ولا ترضى أن يُخرجوا الى هامشه. لم ينقطع مسار النهضة خلال القرن العشرين المتسارع إلا أنه تعثر أو أعيق، بفعل معارضة جذرية شغلتها عن كل ما عداها الحاجة المشروعة الى توكيد الذات الحضارية في وجه سياسة القهر والاخضاع والاستتباع الغربية، في فلسطين أولاّ وفي المنطقة كلها.وأخذ توكيد الذات بطريقه، ورغم مشروعيته في السياسة والمشاعر الدينية، التطلع إلى المصالحة مع الحداثة، وتجاوز الحداثة المأزومة، وإلى التفاعل مع ثقافات العالم على نحو يجعل من القيم الكونية، أو المسماة كذلك، كونية بالفعل، أي عربية وإسلامية أيضاً.

وبخلاف الرأي الشائع بين العرب و المستعربين، لم تكبح العروبة حركة الحداثة، فهي نفسها نتاج التلاقي والتلاقح مع أوروبا. ولم يشكل التمسك باللغة العربية مسوغاً للقطيعة مع ثقافات الآخرين وللعداء معها. بل أن انحراف النزعة العروبية، التي انقلبت على يد بعض الأنظمة والحركات السياسية إلى نوع من الإيديولوجية الشمولية هو الذي أسّس لهذه القطيعة، رغم مفارقة كونها تحديثية ومستوردة للأفكار الغربية. ومما لا شك فيه أن شعورنا، نحن العرب، بأننا ضحية العالم الغربي والذي نما بفعل التواطؤ الغربي مع إسرائيل عزّز الميل إلى القطيعة. لكن عناصر أخرى أسهمت في تعميقه: من الإحساس بالعجز إلى قراءة التاريخ بوصفه مؤامرة مترابطة الفصول تفترض أن الغرب لا همّ له مثل رغبته الجامحة في إضعاف العرب وإذلالهم.

إن في الإحساس المرّ بوضع الضحية، وهو إحساس لا يناقش أحد في الكثير من مبرراته، انهزاماً للتوليف الذي شهدته النهضة العربية. وفيه أيضاً مزاوجة بين الأيديولوجية القومية المتحجرة، والنظرة الثنائية إلى العالم التي تصرّ على التمايز عن الأفكار الكونية دون أن تعرف تماماً ماذا تحلّ محلها.

فلا بد لتجديد العروبة من الإصرار على وضع الفوارق بين الشعوب والثقافات والأديان في نصابها عوض اجهاد النفس في تضخيمها، وهو ما يفعله، على الضفة المقابلة، دعاة النظرة الجوهرية إلى العرب والمسلمين. ويتطلب ذلك تنازلاً عن مركزية الأنا العربية التي لم تعد تنظر في تاريخ العالم الآن حيث هو خطر داهم عليها. ويعني ذلك اخصاب الحياة السياسية والثقافية العربية بتجارب تبلورت في أماكن أخرى من العالم، وبمراجعة ما خبرناه نحن في مراحل سابقة. ولا يغيّر ذلك شيئاً في استجماع قوانا لمواجهة إسرائيل والسيطرة الغربية وآفات بنانا الاقتصادية والسياسية. بل لعلـّه يؤمن بعض الشروط الضرورية له ويوجه أنظارنا وطاقاتنا نحو اليقظة.​"