كيف تواجه الأحزاب الحاكمة انتفاضة اللبنانيين؟

مقال لر​دينة البعلبكي​ في جريدة المدن​

بعد أكثر من أسبوع على استقالة الحكومة في لبنان، يمعن تحالف الأحزاب الحاكمة القائم بممارسة سياسة حافة الهاوية، عبر التلكؤ والانكفاء عن معالجة التحديّات الملحّة والاستجابة لها، من خلال الأداءين السياسي والدستوري، وذلك عبر:

أولًا: استمرار التحالف بالدفع بالتحديات التي يواجهها لبنان على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية إلى حافة الخطورة القصوى، متجاهلًا المؤشرات المحليّة والتحذيرات الدوليّة، بحيث أن رئيس الجمهورية لم يدع إلى استشارات نيابية ملزمة دستوريًا، لاختيار وتكليف رئيس جديد للوزراء بتشكيل حكومة تتولى إدارة المرحلة المقبلة، بالرغم من المؤشرات الصارخة على تآكل الثقة الوطنيّة والدولية بالمؤسسات الدستورية وآليات الحكم في لبنان.

وتمثل تآكل الثقة الدولية بإحجام الهيئات المانحة والدول المشاركة في مؤتمر "سيدر" عن البدء بأي مشاريع استثمارية تدعم الاقتصاد اللبناني، بسبب استمرار الفساد وغياب الشفافية، فيما لا تزال السلطة تتمهل في البدء بإجراءات أكثر من ملحّة لوقف التدهور الاقتصادي، خصوصًا لجهة تراجع سعر صرف الليرة اللبنانية، وأزمة التحويلات والنقص في التعامل بالدولار الأميركي. فالتحذيرات الدولية كثيرة من تأجيل فرنسا لاجتماع لجنة متابعة مؤتمر "سيدر"، الذي كان مقررًا في 13 تشرين الثاني، إلى خفض تصنيف وكالة "موديز" للقطاع المصرفي اللبناني، بما يعني أن لبنان في منطقة "خطر"، وهو قد يواجه إعادة جدولة ديونه نتيجة عجزه عن سدادها. كل ذلك دفع البنك الدولي إلى الدخول إلى الخط، والدعوة إلى تشكيل حكومة تلبي مطالب اللبنانيين.

ثانيًا: يستمر تحالف الأحزاب الحاكمة بالهروب إلى الأمام من خلال إنكار وتحجيم دوافع ومطالب الانتفاضة الشعبية اللبنانية التي اندلعت في 17 تشرين الأول 2019 والرهان على انطفاء الحالة المطلبية.

فعلى الصعيد المحلّي، وفي الوقت الذي تضغط فيه قطاعات واسعة من المجتمع الأهلي من أجل تحقيق تغييرٍ بنيوي لا شكلي، يمس بالحد الأدنى النظام السياسي والعلاقة بين سلطاته، لا تزال الأحزاب المشتركة في الحكم في لبنان تتعامل بمنطق المحاصصة في ما بينها، وكذلك مع المشتركين في الانتفاضة. وتحاول هذه الأخيرة (السلطة) أن تمتص الاعتراض العارم كمثل أن يقوم القضاء باستدعاء انتقائي لمسؤولين ورؤساء سابقين إلى التحقيق تارةً، أو أن تحجّم المطالب بتصويرها مطالب بالمشاركة السياسية مع المسؤولين في السلطة تارة أخرى. وتحاول أحيانًا تصويرها على أنها مطالب تقنية تتعلق بالتشريع من أجل استعادة الأموال المنهوبة ومحاربة الفساد.

وتعتمد هذه الأحزاب سردية إنكار المسؤولية، ذلك أن السردية نفسها التي اعتادت أن تحمّل اللاجئ السوري تردي الوضع الاقتصادي، صارت الآن تحاول تحميل اللبنانيين المنتفضين مسؤولية الانهيار الاقتصادي.

ثالثًا: يتجاوز هذا التحالف، وتحديدًا الفريق السياسي الذي ينتمي إليه رئيس الجمهورية، الدستور روحًا ونصًا وعرفًا، من خلال الاستمرار في تأخير البدء بالاستشارات النيابية الملزمة لتكليف رئيس جديد يشكّل حكومة تكون على حجم تطلعات اللبنانيين المنتفضين.

لا يحدد الدستور اللبناني مهلة لرئيس الجمهورية لإصدار مرسومي قبول استقالة الحكومة -أو اعتبارها مستقيلة- والدعوة إلى استشارات نيابية ملزمة لتسمية رئيس جديد للوزراء يعمل على تأليف الحكومة. لكن بموجب العرف، يحصل ذلك خلال مدة لا تتجاوز اليومين من الاستقالة، ويصدر الرئيس المرسومين المشار إليهما أعلاه بشكل متزامن، ومن دون تأخير.
وهكذا، فإن تأخير الدعوة إلى الاستشارات النيابية الملزمة هو محاولة للضغط على الشخصية التي سيصار إلى اختيارها لرئاسة الحكومة الجديدة –أبرزها رئيس الوزراء الحالي سعد الحريري- وهو ما يظهر كأنه مقايضة بين تسمية هذه الشخصية وقبولها بتشكيلة حكومية معدة سلفاً.

ينطوي هذا التصرف الذي يعبر عن أزمة بين أركان التحالف على مخالفات للدستور والأعراف الدستورية:
- إن عدم الاسراع في الدعوة إلى استشارات نيابية ملزمة لتكليف رئيس الحكومة الجديدة بحسب المادة 53 من الدستور يعد سابقة بالنسبة إلى العرف السائد.  
- إن إجراء مشاورات تشكيل الحكومة بحسب المادة 64 من الدستور يقوم بها الرئيس المكلف، وبالتالي، فإن أي استشارات سابقة للتكليف تعتبر تعديلا أساسياً في روح النص الدستوري الذي أقره الطائف من أجل تخفيف الطابع الرئاسي للنظام السياسي اللبناني.
في الحالتين، تظهر مخالفة النص الدستوري وروحه، ويزيد من تبعات ذلك، أن الأحزاب الحاكمة اليوم لا تعبأ، فيما حاول بعضها استخدام العنف في الشارع، وانتهاج خيار "الشارع ضد الشارع"، بالخطر الأمني والاقتصادي المحدق بالساحة المحلية.