American Univesity of Beirut

مجتمع الميم-عين في لبنان

​​​​​​​Mohamad Sleiman 

    في لبنان العديد من المواضيع التي لا يُمكن الحديث عنها، وتُعتبر من "التابو" أو المحرّمات في مجتمعنا. لا يكفينا الخمس عشرة سنة حرب خضناها في وجه بعضنا البعض، الصّراعات الدّاخلية والخارجية، الطّائفية... بل نعمل على افتعال مشاكل إضافية من أجل بناء دولة يتربّى أبناؤها على البغض والكره والحقد. ومن هذه المواضيع نذكر العلاقات، المثلية والهويّة الجنسية; الجندرية، النسوية، حقوق المرأة في المجتمع وغيرها…، التي نختار عدم ٳدراجها في نقاشاتنا و أحاديثنا، خوفاً من زعزعة أسس وقيم المجتمع الذي أقلّ ما يمكن وصفه بالذّكوري المتطرّف. يُشكّل مجتمع الميم-عين جزءًا لا يتجزّأ من عامّة الشّعب، حيث لا يمكن في عصرنا هذا نكران وجوده ودوره، إلّا أنّ أفرادَه لا يزالون يتعرّضون للضّغوطات الجسدية والنّفسية وقمع الحرّيات في محاولة لاضمحلالهم وٳبعادهم عن المجتمع. وبهذا، ما هي المشاكل التي يواجهها مجتمع الميم عين في لبنان؟ هل يمكن الوصول إلى حلٍّ جذريٍّ لمعالجة هذه المشاكل؟ 
سوف أحاول الٳجابة على هذه الأسئلة بناءً على فهم القانون اللبناني، علاقة الدّين بالمجتمع ودور الٳعلام وتأثيره, كي أستخلص في عرض بعض الٳيجابيات. رغم التّطور الملحوظ عن سابق العهود، ومع كلّ التّقدم العلميّ والفكريّ الذي وصلنا إليه حتّى يومنا هذا لا يزال أفراد مجتمع الميم-عين يتعرّضون للمضايقات، العنف والتّمييز مهما كانت أعمارهم، هويّاتهم، ميولهم أو مكان ٳقامتهم. غالباً ما يتمّ تجاهل ونكران وجود هذه الفئات المهمّشة في لبنان "حرصاً على السّلامة العامّة". تبرز المظاهر لهذا الاستبعاد في التّعليم، العمل، الطّبابة، الدّيمقراطية وغيرها من العوامل التي تحدُّ من حُرّيّاتهم. في لبنان عدّة عقبات تمنعنا دون الحؤول لفكّ العقد المجتمعية، ومنها                                                                               

القانون اللبناني
في دولتنا العديد من القوانين الّتي كُتبت منذ أكثر من 75 سنة، أي عند إعلان إستقلال لبنان وتشكيل الدّولة، والتي لم يطرأ عليها أيّ تعديل وتُستخدم بطريقةٍ غير صحيحة. من هذه القوانين نذكر المادّة 534 من قانون العقوبات التي تنصُّ على أن:"كل مجامعة على خلاف الطبيعة يعاقب عليها بالحبس حتى سنة واحدة". وبهذا، يستخدم القضاء اللبناني هذه المادّة من أجل إلقاء القبض على أفراد مجتمع الميم عين، من المثليّين وعابري الجنس وغيرهم، في محاولة لتجريمهم وقمعهم، حتّى أودى بهم الحال إلى توقيف بعض الأشخاص بسبب الشكّ في مظهرهم وثيابهم. هنالك العديد من الحالات التي استُخدمت بها هذه المادّة وغيرها من الموادّ مثل 469, 531, 532 (البثّ الفضائي والتلفزيوني، التعرّض للأخلاق العامّة، التّقدم إلى سلطة عامّة ب"هّويّة كاذبة")... لإحباط هؤلاء الأفراد والتّي لم يُعرف عنها بعد وبقيت مخفيّة، لكن من أبرز القضايا التي اشتهرت هي قضيتيّ سينما بلازا في برج حمّود يوم 28/7/2012 وحمّام الآغا يوم 9/8/2014, حيث داهمت القوة الأمنيّة هذه الأماكن وأوقفت العديد من الأفراد دون وجود دلائل، لإخضاع بما سمّي ب"فحوصات العار". عمد القضاء وقتها إلى المسّ بالحرّيات الشّخصية واقتحام منازل المتّهمين واستدعاء الشّهود من أجل إثبات صحّة المعلومات والكشف عن ملابسات "الجريمة". ثمّ، استعان القضاء ب "طبيب شرعي للكشف على الموقوفين" دون أخذ إذنهم أو موافقتهم في انتهاكٍ واضحٍ لخصوصيّتهم، واستخلص أنّه: "لا آثار لتكوم أو تمزق أو احمرار في أو حول منطقة الشرج" ما دفع به إلى الإفراج عنهم بعد الإستماع إلى شهادة بعض الأشخاص مجدّداً. مثال آخر على ذلك هو إعتقال شخص بحجّة أنّه: "كان يرتدي ملابس نسائية" في 5/5/2016. [1]      
في صرف النّظر عن عُمر هذه المادّة 534 من قانون العقوبات، إضافةً إلى العديد من المغالطات في القوانين التي لم يجرَ عليها تعديل بعد، من الذي يحدّد ما هو الطّبيعي وما المعيار في ذلك، على الرّغم من توصّل العلماء والأطبّاء في العالم إلى أن هذه العلاقات طبيعية: "المثلية الجنسية ليست إضطراباً أو مرضاً وبتالي لا تتطلّب علاجاً" (ICD10) وأن الإنسان لم ولن يفهم جميع قوانين الطّبيعة حيث يختلف منظور ما هو الطّبيعيّ من شخصٍ إلى آخر، إلّا أنّ القضاء غالباً ما يعمد إلى انتهاك حرمة النّاس من أجل التّخويف والتّرهيب. [2]     
المجتمع والدين
"مين العروس، مين العريس؟" ، "مأنِّت" ، "شِدّ حالك شوي" ، "شاب أو بنت؟" ، "بتقبل إبنك يطلع متلون؟" ، "لوطي" ، "اه ليش في سحاقيات بلبنان؟" ...   من منّا لم يصادف في مرحلة ما من حياته أشخاص يتفوّهون بهذه الكلمات؟ 
فضلاً عن الخلل في القانون اللّبناني وطريقة تطبيقه، تكمن المشكلة الأكبر التي يعاني منها مجتمع الميم عين حتّى يومنا هذا، في المجتمع العامّ وعدم تقبّله لهذا الأمر بذريعة الدّين. تتراكم المشاكل ويُبنى المجتمع على أسسٍ غير صحيحة يصعب علينا قلعها من جذورها، ما يؤثر سلباً على أفراد مجتمع الميم-عين الّذين لا يمكنهم التّصرّف على طبيعتهم والتّعبير عن آرائهم بحريةٍ، حتّى داخل جدران منازلهم، خوفاً من ردود الفعل السّلبية، إلى أن يفقدون الأمان والسلام الداخلي و يشعرون بالعزلة.   
تختلف درجات التّقبل من مدينةٍ إلى أخرى ومن بيئةٍ إلى أخرى، وكلّ هذا يؤثّر على بناء المجتمع السّليم. لنأخذ على سبيل المثال المكان الذي وُلدت ترعرعت فيه وهو بعلبك، حيث كان لي وجهات نظر تختلف عن التي هي الآن. حين  كنت ألعب مع أصدقائي في الأحياء، كنت أسمع عبارات مهينة بحقّ هؤلاء الأفراد المهمّشين، وتبلورت في داخلي أفكار خاطئة بسبب بعض الأشخاص. تعتبر اللّغة المستخدمة بيننا مشكلة لا بد من حلّها، فمثلاً عندما كنّا ولا يزال الكثير، نريد أن نهين أحدهم، نناديه بل "لوطي". حتّى أنّ المعجم والمصطلحات العربية بحدّ ذاتها مثل كلمة شاذّ في اللّغة العربية من كلمة شواذ، أي ما هو خارج عن المألوف، وغيرها العديد من الأمثلة التي تزيد من حدّة المشكلة
في لبنان آلاف من الأمثلة والشّواهد لناسٍ يفضّلون الاحتفاظ بأسرارهم خوفاً من المجتمع: أذكر ذات مرّة كنت أحادث صديقي المثلي جنسياً ووالده الذي لا يدري بالأمر، حيث سألت الوالد عن ردّة فعله لو أنجب ولداً مثليّ جنسياً، فردّ: "أنا ما بجيب ولاد معاقين" مع ابتسامة، ثمّ عندما ناقشته، قال لي أنّه سيصطحبه إلى الأطبّاء ورجال الدّين لمعالجته، كي يستخلص أنّه يحبسه ويرميه في الطريق إن لم ينجح في ذلك. فما بال صديقي وغيره من هؤلاء الّذين يتعرّضون لأبشع الضغوطات النّفسية. أيضاً، هم يتعرّضون للإبتزاز، العنف الجسدي والاغتصاب. كل هذه العوامل تدفع بهؤلاء في التشكيك بأنفسهم، عدم البوح بأسرارهم والهجرة نحو بلاد أفضل نوعاً ما.    
يستخدم النّاس حجّة الدّين للدّفاع عن الهوموفوبيا، لكن ما صحّة هذا الدّليل؟ 

بالنّسبة للديانة المسيحية، ذُكر في الإنجيل المقدس: "وَلا تُضَاجِعْ ذَكَرا مُضَاجَعَةَ امْرَاةٍ. انَّهُ رِجْسٌ"(لاويين) وفي القرآن الكريم: "ولوطًا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون" (النمل: 54). أوّلاً، يمكن أن تكون قد فُسّرت هذه العبارات بطريقةٍ خاطئةٍ، فمثلاً قصّة النّبي لوط التي تعتمد عليها الأديان، بعض المصادر تقول أنّه عوقب الناس في سدوم لأنّهم حاولوا تعنيف الملائكة جنسياً وليس لأنّهم مثليون جنسياً. إضافةً إلى ذلك، هنالك حكم وعبارات لا يمكن أن تكون منطقية في يومنا هذا، مثل السّماح للرّجل بالزواج من أربعة نساء إن عاملهم بطريقة عادلة، أو إمكانية إفطار الصّائم إذا قطع مسافة 50 كلم، التي تُعتبر مسافة ضئيلة في يومنا هذا، أو معاملة وحقوق المرأة من قبل وحتّى يومنا هذا على الرغم من وجود الأديان. كل هذه الأمثلة تسلّط الضوء على بعض العيوب في الأديان وأنّه لا بدّ من مواكبة هذا العصر.  [3]
الإعلام المرئي والمسموع ووسائل التواصل الاجتماعي  

يُعتبر الإعلام ووسائل التواصل الإجتماعي سلاح ذو حدّين، فقد يُستخدم لنشر الوعي والثّقافة وتصحيح الإشاعات حول مجتمع الميم عين في لبنان، لكن غالباً ما يكون له منحاً آخراً ويكون أداة من أجل تفريغ الحقد والكره من قبل بعض الأشخاص. إضافةً إلى ذلك، أذكر أنّني ترعرعتُ على مشاهدة التلفاز، من ضمن ما كنت أشاهده قنوات عربية مثل سبيستون، كرتون نتوورك، MBC وغيرها، التي لاحقاً أدركت أنّها تعمد على حذف بعض المشاهد التي يمكن أن تُؤثّر على أفكار وتصوّرات المشاهدين وأجيال المستقبل. مثال حاضر على ذلك، يُمنع عرض فيلميّ “Doctor Strange" و"Fantastic Beasts" في عدّة دول عربيّة منها الكويت، السعودية، مصر، قطر، البحرين، الأردن، وحتّى في دولتيّ روسيا والصين بسبب مشهد حوار لشخصيةٍ مثليّة مدّته 12 ثانية فقط من فيلم مدّته 3 ساعات! كل هذه العوامل تساهم في بناء مجتمعات غير متقبّلة للميم-عين وتدعم خطابات الكراهية لتزيد من حدّة المشكلة. [4]

المنظمات الغير حكومية، الثورة وانفجار مرفأ بيروت
في حين تضرّر جميع اللّبنانيين جرّاء الأزمة الإقتصادية، جائحة كورونا،  وانفجار المرفأ، كان الخاسر الأكبر أفراد  مجتمع الميم-عين، حيث خسر عدد كبير منهم وظائفه لتصل نسبة البطالة إلى %70 داخل هذا المجتمع مقارنةً بنسبة %40 لكافّة المجتمع اللبناني، إضافةً إلى فقدانهم لمراكز كانت تأويهم و تحتضنهم، لكنّها تضرّرت بسبب الإنفجار والأزمة الإقتصادية. [4]   
في ظلّ كل هذه السّلبيات، لا بدّ من التنويه والإشادة بالدّور الكبير الذي تلعبه المنظّمات الغير حكومية مثل Helem"، "Proud Lebanon""، "كرّاس" وغيرها، التي تحاول خلق مساحات لأفراد مجتمع الميم عين من أجل التعبير عن آرائهم، ومشاركة تجاربهم مع بعضهم البعض

الحلول
الحلّ الأوّل يكمن عند كلّ فرد منا وهو تحسين وتطوير الذّات، فكلُّ فردٍ يحتاج إلى بعض المطالعة، تقبّل الآخر واحترامه وعدم التّشبص بالرّأي، كما علينا عدم الخوف من الجدال والمناقشة كي نكسر الصّمت وقيود المجتمع. أمّا على الصّعيد العامّ، هناك العديد من الحلول التي يمكن أن تساعد مجتمع الميم عين، ومنها إلغاء المادّة 534 والمواد الأخرى التي تشبهها، وضمان قدرة هؤلاء على اللّجوء للقانون في حال الاعتداء، ومحاسبة فاعلة ضدّ العنف والإساءة التي تضمّ مواقع التّواصل الإجتماعي. كما يمكن تفعيل دور المنظمات الغير حكومية التي تدعم حقوق هذا المجتمع، إدراج حصص ومحاضرات تعليمية وتثقيفية في المدارس والجامعات،  بالإضافة إلى عقد نقاشات وحوارات بنّاءة مع أفراد مجتمع الميم-عين على برامج التّلفاز ، من أجل نشر الوعي والمعرفة حول هذا الموضوع ​
  
        في الخلاصة، أفراد مجتمع الميم عين موجودون  وفاعلون رغم كل التّحديات والصّعاب، لكنّهم غالباً ما يختارون عدم البوح بأسرارهم، الهجرة أو عدم تقبّل الذات بسبب المجتمع، الأهل والدّين. عليهم أن يكونوا على طبيعتهم ولا يأبهون لكلام النّاس: "تكلّم، تحدّى، ناقش ودافع". الخطوة الاولى هي دائماً الأصعب ولكن كلّ إنسان حرّ بجسده، أفكاره وحياته. علينا أن نستمدّ القوّة والدّعم من بعضنا . ​البعض ولنضحّي كي نحارب القمع والصّمت المتواطئ: "لنبني معاً عالماً أفضل حيث يسود تقبل الأخر دون تمييز أو عنف"  


المصادر

[1] L. Agenda, فحوصات العار” تستمر في “جمهورية العار”: حين يصبح القانون والطب مجرد أدوات للإذلال والتخويف, 2021, January 29. 
[2] و. الجندر., المادة 534 من قانون العقوبات اللبناني, 2020. 
[3] ا. مباشر., الإسلام والشذوذ الجنسي. المقالات والدراسات, https://mubasher.aljazeera.net/opinions/2020, 2020, November 13. 
[4] ر. 22., ترهيب مجتمع الميم-عين في لبنان مستمر. . . ظلم وقمع بأدوات متعددة, 2021. 
[5] ط. زيدان, ٥ مؤشرات لانتهاكات حقوق مجتمع الميم-عين في لبنان, حلم, 2021. 
[6] P. Lebanon, 2021. 


Photo credit: ​Cute LGBTQ Thank you Card. Raw Pixel. License​

Contact Us

For various questions, please try contacting us via social media first!
read more

Privacy Statement

We take data privacy seriously and adhere to all applicable data privacy laws and regulations.
read more

Copyright and Disclaimer

Written permission is needed to copy or disseminate all or part of the materials on the AUB website.
read more

Title IX, Non-Discrimination, and Anti-Discriminatory Harassment

AUB is committed to providing a safe, respectful, and inclusive environment to all members of its community.
read more